أبي منصور الماتريدي

83

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وكقوله : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت : 65 ] : ذكر هذا - والله أعلم - أنكم إذا مسكم الشدائد والبلايا لا تضرعون إلى الذين تشركون في عبادته وألوهيته ، فكيف « 1 » أشركتم أولئك في ربوبيته في غير الشدائد والبلايا ، وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ، أي : تتركون ما تشركون بالله من الآلهة ؛ فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم ؟ وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ . اختلف فيه : قال بعضهم : البأساء : الشدائد التي تصيبهم من العدو ، والضراء : ما يحل بهم من البلاء والسقم السماوي . وقال بعضهم : « 2 » البأساء : هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة . وعن ابن عباس « 3 » - رضي الله عنه - قال : [ قوله ] « 4 » فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ : الزمانة والخوف ، وَالضَّرَّاءِ : البلاء والجوع . لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . أي : ابتلاهم بهذا ، أو امتحنهم لعلهم يتضرعون ، ويرجعون عما هم عليه . وقوله - عزّ وجل - : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا . يذكر في ظاهر هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة ، ولم يتضرعوا ولكن قست قلوبهم ، ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا ورجعوا عما كانوا عليه ؛ وهو كقوله - تعالى - : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 67 ] ، وقوله : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ [ العنكبوت : 65 ] وغيرهما من الآيات . لكن يحتمل هذا وجوها : أن هذا كان في قوم ، والأول كان في قوم آخرين ، وذلك أن الكفرة كانوا على أحوال ومنازل : منهم من كان على حال ، فإذا أصابه خير اطمأن به ، وإذا زال عنه وتحول تغير ؛ وهو كقوله - تعالى - : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ . . . الآية [ الحج : 11 ] . ومنهم من يتضرع ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء ، وعند السعة والنعمة قاسي القلب معاند ؛ وهو كقوله : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . . . * إلى آخر الآية [ العنكبوت : 65 ] ؛ وكقوله - تعالى - : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 67 ] . ومنهم : من

--> ( 1 ) في ب : كيف . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 12 / 185 ) وعزاه للحسن البصري بمعناه . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره بمعناه ( 2 / 96 ) . ( 4 ) سقط في ب .